الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

104

مختصر الامثل

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ( 122 ) وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 123 ) مرّة أخرى يتّجه الخطاب الإلهي إلى بني إسرائيل ليذكرهم بالنعم التي احيطوا بها ، فتقول الآية : « يَا بَنِى إِسْرَاءِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ » . أي : على كل من كان يعيش في ذلك الزمان . كل نعمة تقترن بمسؤولية ، وتقترن بالتزام وتكليف إلهي جديد ، ولذلك قال سبحانه في الآية التالية : « وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّاتَجْزِى نَفْسٌ عَنْ نَّفْسٍ شَيًا » . « وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ » . أي : غرامة أو فدية ، « وَلَا تَنْفَعُهَا شَفعَةٌ » إلّابإذن اللَّه ، ولا يستطيع أحد غير اللَّه أن يساعد أحداً « وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ » . وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ( 124 ) الإمامة قمة مفاخر إبراهيم عليه السلام : هذه الآية وما بعدها تتحدث عن بطل التوحيد نبيّ اللَّه الكبير إبراهيم عليه السلام وعن بناء الكعبة وأهمّية هذه القاعدة التوحيدية العبادية . والهدف من هذه الآيات - وعددها ثماني عشرة آية - ثلاثة أمور : أوّلًا : أن تكون مقدمة لمسألة تغيير القبلة التي ستطرح بعد ذلك . ثانياً : لفضح إدّعاءات اليهود والنصارى بشأن انتسابهم لإبراهيم . ثالثاً : لتفهيم مشركي العرب أيضاً ببعدهم عن منهج النبي الكبير محطم الأصنام ، والرّد على ما كانوا يتصوّرونه من ارتباط بينهم وبين إبراهيم . الآية الكريمة تقول أوّلًا : « وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ » . وبعد أن اجتاز هذه الاختبارات بنجاح استحق أن يمنحه اللَّه الوسام الكبير : « قَالَ إِنّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا » . وهنا تمنّى إبراهيم عليه السلام أن يستمر خط الإمامة من بعده ، وأن لا يبقى محصوراً بشخصه « قَالَ وَمِنْ ذُرّيَّتِى » . لكنّ اللَّه أجابه : « قَالَ لَايَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ » .